|
لا تـؤذِ أحـداً
|
وقف مترنحاً متثاوباً و كأنه تحول لفم كبير خارج من الغرفة ليغسل وجهه من غبار يوم جديد طواه , يتحسس عينيه بعد أن لاحظ انتفاخ غريب أسفلهما , " هل بكيت البارحة و أنا نائم , يبدو أن هذا الانتفاخ هو انحباس لدموع بكيتها و أنا نائم لعنة الله على الأحلام إما أن تأتي مرعبة أو لا تأتي , ولم لا أقول لعنة الله على هذا العقل الذي لا يحوي إلا الخراب , هل أصبحت مثلهم أعلق قذارتي على شجرة الجيران الناس الدنيا , الآخرة أي شيء آخر غيري , و لن يتوقف هذا التأثير إن بقيت مسالماً مع نفسي , نفسي الرديئة لو لم أكن رديء لما اختبأت تحت جلد و قمت في هذا الوقت المبكر أتوضئ و أصلي كي لا يشك أحد بنواياي , و أنا لا أعرف لِم َ أصلي أو أني أعرف و غير مقتنع أو أني لا أريد أن أقتنع أو أنها أساساً لم توجد لتقنع أحد بها , هي شيء موجود مثلي تماماً و قد تتقاطع الأشياء في الحياة و قد لا تتقاطع , لكنها في نهاية الأمر كائنة على اختلاف حالها ولا أعلم إلى متى .
كنت آمل دائماً أني ربما سأصل إلى حل أو قناعة متزنة لكن مع مرور كل هذا الوقت لا أثق بقدرتي على إيجادها أو قدرتها على إيجادي , و ليست بي هذه الرغبة اللاذعة بأن أعرف بعد الآن أو أقول ما أعرف ..
يا الله يا جمال الأشياء المهملة أمديني بالصبر و أسكتي عقلي قليلاً و هدئي قلبي .. "
يرتدي ثيابه بسكينة و كأنما أتعبه الحديث عن إيمانه المفتعل أو لربما حقيقة عدم قدرته على الوصول لشيء يبعث للطمأنينة تتطاير الأفكار في رأسه و يلتقطها يرمي بها في مكب بلادته الكبير ,
تجاهل يا حسن تجاهل نفسك تجاهل اعتقادك تجاهل الأسئلة تجاهل قلبك تجاهل هذه الأفكار النتنة المعرشة في عقلك منذ سنين تجاهلها لتكمل , لتخرج متزن أمام تلامذتك المساكين إذ لم تعتريهم الحياة بوحشية المبهم فيها بعد , لا بل أنت المسكين لكن تجاهل .. لكي يتجاهلك الجميع لكي تجد مجالك الكوني تجاهل لكي لا تُرى , تتسع الأماكن فيك و تنتشر تنتشر تنتشر ,
ما بي يا مريم يا عذراء يا أم أمي يا أمي " لم يستطع الاستمرار في ارتداء ثيابه كما أنه لم يستطع الوقوف أكثر , جلس على طرف السرير تكور " لماذا تستحضر مريم هل تؤمن بقداستها ! لا أدري , هل تؤمن بأنها قادرة على سماعك أو إجابتك ربما .. ربما ,
ما هي المعرفة الحق , أنت و كل هذي الأشياء ماذا ! , يا واحد يا عليم أرحني من هذه اللوثة العقلية أطفئني بك " يعتدل بسرعة مفتعلة و كأنما أراد أن يفعل ذلك عمداً لكي لا يتراجع , جر كرسيه و جلس إلى الدرج سحب ورقة بيضاء و كتب , "
أنت يا حسن مؤمن أن إلهك إله واحد خالق الكون بطريقة ما و خالقك , وخالق كل هذا الذي يحدث معك الآن , لذلك توقف أو تجاهل كما كنت توصي نفسك منذ قليل , لقد إنقضت تلك المرحلة للأبد و صرت تفهم أن الله هو الله و فوق ذلك لن يكون و تحت هذا لن يهم , هذا المهم أحفظ هذه الجملة الله هو الله و فوق ذلك لن يكون و تحت هذا لن يهم , أنقشها على جدار عقلك ولا تغمض عينيك عنها أبداً رددها في سرك , هي شهادتك هي منجاتك الآن في هذا الجسد الفاني المؤقت للموت , أو فيما بعد فيما ستنقل إليه , وما همك إن عبدوا المسيح أم البقرة , إن حجوا إلى مكة أو طهران , ما خصك أنت هل أنت حامي حمى الإله ,
أنت قذارة يا حسن أنت الذي لا تعرف أباك و أمك عاملة في البيوت , أنت لا شيء أنت هنا هارب من جريمة قتل أنت في لحظة ما كنت حيوان صرف وقتلت لتأكل نعم أهناك أقذر من هذا تقتل لتأكل أنت فعلت ذلك يا إنسان ! يا أستاذ يا عظيم ! , لِمَ تفكر بما لا يخصك , الإيمان ليس ألا تعرف وجهك من فروه رأسك أمام المرآة الإيمان ليس كل هذا الهذر الذي تتعهده كل الطرق و ربما هو و إن يكون .. لكن ليس الذي تشعره أنت الإيمان شعور و إن لم أشعر هذه الشعائر كيف لك أن تكملها ,
و الله لا يخدع أنا أصغر من أن أختبئ أمامه أصغر من أن أصلي أو أصوم أو أو أو إلخ و أنا على قناعة تامة أني لا أشعر بشيء , لا شيء إطلاقاً ,
ماذا لو كنت نيجرياً و أبي وثني و أمي مسيحية و دعيت للإسلام , و حبيبتي يهودية , و صديقي ملحد , ماذا أريد لك سلفاً , ما الذي يرديه لك الجميع , هو طموح والدك بأن تكون وثنياً و محاولات أمك بأن تكون مسيحياً و آمال داعية بأن تكون مسلماً , و رغبة حبيبة بأن تكون يهودياً و حماس صديق لأن تكون ملحداً , و تشعر دائماً أن جميعهم على حق ! ماذا تصدق و كيف يمكن أن تكون شيء مع كل هذه الأمور
ما يجعلك تعتنق أحدها هو قدرة أي طرف من الأطراف على إقناعك , نمط السوق البيئي العام المحيط بتفكيرك , كل الديانات لها حججها و كل الفلسفات لها إثباتاتها , أنت تجد نفسك مسيحياً فتحيا لتثبت أنك مسيحي كذلك لو كنت مسلماً أو سيخياً , أو بوذياً أو يهودياً فوق البشر .
و أنا أعرف الله أكثر مما أعرفني , الله أوضح من أن يؤطر في دين أو صلاة , الله أكبر من أن يختزل برسالة نبي , أو معجزة , الكون هو الرسالة الكبيرة و الرسل في كل مكان , أنا العاصي قد أكون رسول , أمي , الأشجار , الهواء , جميعنا رسل , نحمل رسائل عظمة و وحدانية للضال و المهتدي على حد سواء , عندما يكون الإله كبير كالله لا أفهم لما نحتاج لأن نجعل منه فتوى أو تصنيف في هوية أو شعر مقرف على الوجه , الله جميل الكل يعرف , لذلك بديهياً يجب أن نتبع ما يقتضيه الجمال لا ما حملته لنا الأسفار أو الحمير أو التاريخ المعلب ,
أشعر أني حلزون و عقلي حلقات كبيرة , تباً لي متى يتسنا لي البصق في وجهي مباشرة , هل يمكن ذلك في الجنة ! .
هنا أيضاً في هذه القرية أشعر أني في شبة جنة لفترة قصيرة جداً فهي لا تحمل الكثير من اللغط و الأسئلة تمنحك سكينة الراعي و الفلاح , عذوبة الهواء و الأطعمة المعدة من الألف إلى الياء منزلياً , لذيذ هذا الشعور الذي ينتاب الشخص و هو يخلق كل شيء يحتاجه بنفسه , من الرغيف إلى المنزل , تعرف كيف تزرع الخضار التي تأكلها كيف تلد زوجتك , كيف ينظف الجيران فرشهم , كيف يكبر الناس دفعة واحده هنا يمكنك الإنتباه لكل شيء كل شيء يسير بتناغم و سلاسة لا يشعر بها سكان القرية أنفسهم , لكنك تتذوقها في كل سكنه و حركة , أنت الآتي من صخب الأحياء الفقيرة حاملاً عقلاً متوعك .
هنا تتسلل الحياة من خلال صوت الديوك المتصاعد مع انبعاث يوم جديد و عادة لا تكف هذه المخلوقات عن الصياح حتى تتأكد من الشمس و الناس , تتأكد من أن يوماً آخر قد بدأ بتفاصيل مختلفة و متشابهة في تمازج عجيب لا يمكن أن تنفي فيه أحد الصفتين , ولا يعرف فعلياً إن كانت تعي ما تفعل أم أنها مجرد وظيفة طبيعية تؤديها كأنا العبد الضئيل ككل ما قضي و قدر له أن يكون موجود في هذه التركيبة الجميلة _ ولا أنكر_ للحياة
عندما استيقظت بالأمس كنت منهكاً جداً _ و على حد علمي النوم للراحة _ بجسد شبه معطل كنت أتقلب علي أجد وضعية مناسبة لأتم مرحلة الانتقال من الخدر للحياة ,
لكن تلميذاً باراً بأستاذه و بأمه طرق الباب بقوة في طريقه و صاح : صباح الخير أصحا يا أستاذ ,
انتفضت , شعرت بأني أسقط من جرف عالي , كنت في مرحلة ما بين و بين ما بين النوم و اليقظة , وقد أرعبني صوت طرق الباب لعنة الشياطين و الملائكة عليه , لم يجد ألطف من قنبلة الصوت هذه , ليسو أطفال هؤلاء بل شياطين طليقة , و قد أقسمت على أن أرسبه أبن أمه هذا , بدلاً من حفلة الرعب هذه و لو لم أرى أم هذا اللعين لقلت يا أبن الزانية ,
هه أنت رجل خارق يا حسن و من قال أنها ليست كذلك ربما تكون , يستفحل الغباء فيَّ هذه الأيام بشكل سريع و مرعب , كنت أتساءل و أنا أكيل الشتائم له ولأمه فيما أدير ظهر للنافذة و الضوء ما همي في هذا الصباح العكر أن أمنطق مسألة أن تكون أم هذا الشيطان زانية أم لا , دعك من تفاهات الناس يا حسن فلن تلد امرأة أتفه منك يا أبن أمك ! ..
ضحكت و أنا أكتب السطر الذي يعلو هذا , لا أدري لماذا ربما أردت فقط أن أجرح هذا الصمت بعد أن جرحتني الذاكرة ,
نعم أنا أبنك يا أمي و ما حيوان أبي المنوي إلا حدث طارئ لا أفخر به كثيراً , ستقولين عقدة أوديب يا حسن أصمت لا تكمل , أصبحت مجموعة عقد , قد تستيقظ يوماً ما و تجد نفسك غير قادر على المشي لأنك تحولت لعقدة كبيرة فأسكت رحمه الله على جدك و لعنته على أبوك .
أتفهم ذلك يا أمي ولن أناقشه مع جلالة خيبتكِ منا جميعاً أنا , أبي , جدي .
يضع القلم الأسود جانباً تلبهً لرغبة أمه , ويأخذ قلماً أحمراً و يكتب ,
انتهى .. انتهى يا عزيزة و ها أنا أكتبها بالأحمر لأني أعرف مع كثافة التراب في قبركِ , على عينيكِ قد لا يتسنى لك رؤيتي و أنا أنهيه من أجلك , ما لم يكن واضحاً هكذا " أحمر " ..
أنا أبن بار يا أمي .. أدعي لي .
قد يتبع ..
|